فضاؤك

خاص لكل القانونيين من طلاب اساس المستقبل و ممتهنيين اساس الدولة و النظام في المجتمع
 
البوابةالرئيسيةالتسجيلدخولمكتبة الصورالأعضاءالمجموعات

شاطر | 
 

 الركن المعنوى والدستور

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 06/07/2010

مُساهمةموضوع: الركن المعنوى والدستور   الخميس يوليو 08, 2010 2:06 am

الركن المعنوى والدستور
- أهمية الركن المعنوى:ليست الجريمة كياناً مادياً خالصاً ، ولكنها كذلك كيان نفسى ، وإذا كان القانون الجنائى يهتم أساساً بالفعل المادى المرتكب ، بحيث أنه إن انتفى وصف الفعل انتفت الجريمة ؛ فإن القانون الجنائى يهتم كذلك بالركن المعنوى فإذا انتفى هذا الركن انتفت الجريمة كذلك. فلا قيام للجريمة بغير ركن معنوى. وتفسير ذلك أن هذا الركن هو الذى يعبر عن الإثم الذى حاك فى نفس الجانى ، وحيث تتجرد النفس من هذا الإثم فلا توجد جريمة ، ولذلك قيل بأن "الفعل لا يكون آثماً إلا إذا كانت النفس آثم

[1]).
وترجع أهمية الركن المعنوى فى أنه يتضمن العلاقة النفسية التى تربط بين ماديات الجريمة، وشخصية الجانى ، وجوهر هذه العلاقة هو الإرادة. وهذه العلاقة محل للوم القانون لأنه يسبغ على ماديات الجريمة صفة غير مشروعة ، وينهى الناس عن أن تكون لهم بها علاقة. وللركن المعنوى أهمية كبيرة فى كيان الجريمة ذلك أن الجريمة عمل إنسان يسأل عنها ويتحمل العقوبة المقررة من أجلها ، وإذا كان الشارع يضع قواعد التجريم ويسبغ على بعض الأفعال الصفة غير المشروعة ؛ فإنما يفعل ذلك لكى ينهى الأفراد عن ارتكابها ، وهو يهتم -حينما يُرتكب فعل غير المشروع- فى أن يبحث عن المسئول عن هذا الفعل ، ولا يستطيع القانون تحديد هذا المسئول إلا إذا قامت علاقة من نوع خاص بين ذلك الفعل وذلك الشخص . فأهمية الركن المعنوى مستمدة من كونه وسيلة القانون كى يطبق على الأفراد ، وهو بذلك وسيلته فى تحديد الشخص الجدير بالمسئولية الجدير تبعاً لذلك أن ينزل به العقاب وتتحقق فيه أغراضه الاجتماعية([2]).
وهناك صلة بين إثم الجانى والعقوبة التى يقررها الشارع للجريمة: فالمعيار الذى يقيس به الشارع قدر العقوبة ونوعها هو "إثم الجانى" المصاحب للفعل ، فهذا الإثم يشكل "قاعدة عليا للتقدير"([3]) يجب على الشارع الأخذ بها بعين الاعتبار حال تقديره للعقوبة. وهذه القاعدة تعنى أن قدر وحدود العقوبة واتصافها بالعدالة يرتبط على نحو لازم مع درجة إثم الجانى([4]). وقد يفضى عدم تناسب العقوبة مع هذا الإثم والمبالغة فيها إلى عدم دستورية النص عليها.
- تقسيم: نتناول فى هذا الفصل الضوابط التى أرستها المحكمة الدستورية العليا فى شأن النص على المسئولية والركن المعنوى فى الجريمة فى مبحثين مستقلين ، ثم نتبعهما بمبحث ثالث ، نبين فيه أثر تطبيق هذه الضوابط على بعض نصوص التجريم، وهو عمل فقهى محض يحاول تطبيق الضوابط السابقة على نصوص سارية وصولاً لما إذا كانت هذه النصوص تتفق مع هذه الضوابط أم أنها تتنافر معها.
المبحث الأول
الضوابط الدستورية للمسئولية الجنائية
- تمهيد:
أثارت فكرة المسئولية بدون خطأ أو ما يعرف بالمسئولية المادية جدلاً فقهياً كبيراً ، واختلفت الآراء واتجاهات التشريعات ، هل يوجد جرائم بدون ركن معنوى ، بحيث يسأل الجانى عن الفعل فحسب؟ ؛ أم أن هذا الركن لازم فى كل الجرائم بحيث لا يتصور ارتكاب الجريمة بدونه؟ ، ثم ثار خلاف آخر يتصل بالمسئولية عن فعل الغير ، فهل يمكن أن يسأل شخص عن عمل غيره ، حتى ولو لم يكن لديه الإثم الذى يبرر تقرير مسئوليته عنه؟ ، وهذا الخلاف ليس نظرياً ؛ بل تردد صداه فى التشريعات المختلفة ، ولذلك يقع على عاتق الدراسة استخلاص الضوابط التى أقرتها المحكمة الدستورية العليا فى ذلك.
- المسئولية المادية أو المسئولية بدون خطأ:
تتطلب الجريمة توافر الإثم لدى الجانى ، فحيث لا خطيئة ، فلا جريمة ، إذ لا يمكن مؤاخذة الجانى عن فعل تجرد من الإثم. وقد أثير التساؤل عما إذا كان من الممكن قيام المسئولية الجنائية دون إثم ، أى أن تكون مسئولية مادية تستمد من ارتكاب الجانى الفعل المجرم بصرف النظر عن الركن المعنوى لديه ، وهذا النوع من الجرائم يطلق عليها الفقه "الجرائم المادية"([5]). وقد ثار التساؤل بصفة خاصة بمناسبة بحث مدى ملائمة تقرير المسئولية عن فعل الغير ، إذ أن هذه المسئولية لا تعدو أن تكون صورة من صور المسئولية المادية.
- القاعدة العامة- شخصية المسئولية الجنائية:
القاعدة الأصولية تقضى بأن المسئولية عن الجريمة شخصية ، فمن لم يساهم فى ارتكاب الجريمة بصفته فاعلاً أو شريكاً يظل بمنأى عن عقوبتها([6]). فيجب أن تكون هناك علاقة مادية بين الجريمة والسلوك الإنسانى الصادر من شخص المسئول عنها: فلابد أن يساهم الجانى بفعله الشخصى فى الجريمة ، وأن تتوافر علاقة السببية بين فعل المساهمة والنتيجة الإجرامية التى يعتد بها الشارع فى التجريم والعقاب([7]).
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا هذه القاعدة بقولها بأن الأصل فى الجريمة ، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها ، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها ، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله ، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها ، ولا ينال عقابها إلا من قارفها ، وأن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها" مرتبطان بمن يعد قانوناً " مسئولاً عن ارتكابها ". فالقاعدة الأصولية التى أرستها المحكمة الدستورية تتبلور فى شخصية الجريمة والمسئولية عنها وشخصية العقوبة عملاً بالمادة 66 من الدستور ، فالشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها([8]).
- المسئولية عن عمل الغير:
يعرف القانون المدنى إلى جوار المسئولية عن الفعل الشخصى المسئولية عن عمل الغير ، ويلتزم الشخص فى هذه الحالة بتعويض الضرر الذى ينشأ من فعل هذا الغير. ولكن هذه المسئولية ليس لها محل فى نطاق القانون الجنائى ، إذ لا يعرف هذا القانون إلا المسئولية الشخصية الخالصة ، ولا يتصور أن يتهم شخص أو أن يقضى بإدانته فى جريمة ليس فاعلاً فيها أو شريكاً([9]). ففكرة المسئولية عن عمل الغير هى فكرة غريبة عن القانون الجنائى. وقد حرص الشارع الفرنسى فى قانون على أن ينص على هذا المبدأ صراحة (المادة 121-1)([10]).
وقد قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية قانون يقضى باعتبار الوالدين مسئولين جنائياً عن الجرائم التى يرتكبها أولادهما القصر ، وقد قررت فى هذا الحكم أن مجرد توافر صفة الأبوة لا تعد بذاتها جريمة([11]).
على أن تطبيق هذا المبدأ أثار قدراً من الصعوبة ، فكثير من التشريعات الخاصة مثل القوانين المنظمة للعمل تنص على إلزام رب العمل بأداء الغرامات المحكوم بها على مديرى منشأته والتابعين له والناتجة عن مخالفة هذه القوانين. وقد حرصت بعض التشريعات على أن يعتبر هذه المسئولية مدنية محضة ، ومثال ذلك الشارع الفرنسى الذى نص صراحة على ذلك فى المادة 260-1 من قانون العمل على أن رب العمل مسئول مدنياً([12]). على أن الأمر يدق فى كثير من الصور التى ينص فيها على اعتبار الشخص مسئولاً جنائياً فى حالة ارتكاب شخص آخر فعلاً مجرماً . ومثال ذلك ما نص عليه الشارع المصرى فى المادة 58 من المرسوم بقانون 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين على أن يكون صاحب المحل مسئولاً مع مديره أو القائم على إدارته عن كل ما يقع فى المحل من مخالفات لأحكام هذا المرسوم . فإذا ثبت أنه بسبب الغياب أو استحالة المراقبة لم يتمكن من منع وقوع المخالفة اقتصرت العقوبة على الغرامة المبينة فى المواد من 50 إلى 56 من هذا المرسوم بقانون. ويماثل هذا النص ما نصت عليه المادة 15 من المرسوم بقانون 163 لسنة 1950.
من المقرر فى الفقه المقارن أن هذه المسئولية فى الحالات التى نص الشارع عليها ليست مفترضة ، وإنما تحيطها شروط تكفل تحديداً واضحاً للفعل الذى يكون الشخص مسئولاً عنه ، فيجب أن يثبت ارتكاب أحد العاملين أو التابعين للشخص ارتكاب جريمة ، ويجب أن يثبت وقوع خطأ من جانب صاحب المنشأة ، وصورة هذا الخطأ هو الإهمال فى واجب الإشراف على موظفيه ، وأنه إذا ثبتت استحالة المراقبة فإن مسئولية صاحب المحل لا تتوافر فى هذه الحالة([13]).
ومن الأمثلة أيضاً على هذه الحالات ما كان ينص عليه الشارع فى المادة 195 من قانون العقوبات من تقرير المسئولية الجنائية لرئيس التحرير عما ينشر فى صحيفته. فهل تعد هذه النصوص متفقة مع الضوابط الدستورية؟. سنرى فيما يلى ما أرسته المحكمة الدستورية العليا من ضوابط فى شأن هذه المسئولية.
1- عدم دستورية افتراض المسئولية الجنائية لرئيس التحرير:
كانت المادة 195 من قانون العقوبات تنص على معاقبة رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذى حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير ، بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التى ترتكب بواسطة صحيفته.
وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا النص تأسيساً على أن رئيس التحرير يظل ، مسئولاً عن الجرائم التى تضمنها المقال ، ولو أثبت أنه لو لم يقم بالنشر ، لفقد وظيفته فى الجريدة التى يعمل بها ، أو لتعرض لضرر جسيم آخر ، إذ عليه فوق هذه أن يرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة ، وأن يقدم كل ما لديه من الأوراق والمعلومات لإثبات مسئوليته ، وهو ما يعنى أنه أيا كانت الأعذار التى يقدمها رئيس تحرير الجريدة مثبتاً بها اضطراره إلى النشر ، فإن مسئوليته الجنائية لا تنتفى إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لا يعرفهم ، هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل ، وهو ما يناقض شخصية المسئولية الجنائية ، التى تفترض ألا يكون الشخص مسئولاً عن الجريمة ، ولا أن تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها" ([14]).
- 2عدم دستورية افتراض المسئولية الجنائية لرئيس الحزب عما ينشر فى صحيفة حزبه:
كانت الفقرة الثانية من المادة 15 من قانون الأحزاب السياسية الصادر بالقانون رقم 40 لسنة 1977 تنص على أن "يكون رئيس الحزب مسئولاً مع رئيس التحرير عما ينشر فى صحيفة حزبه" ، ولم يكن الشارع يحدد نوع هذه المسئولية وما إذا كانت جنائية أم مدنية. وقد حاولت محكمة النقض معالجة هذا العوار التشريعى ففسرت المقصود بمسئولية رئيس الحزب فى النص سالف الذكر على أنها المسئولية المدنية وليست الجنائية([15]). غير أن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية النص سالف الذكر ، وذلك تأسيساً على إن المسئولية الجنائية التي قررها النص المطعون فيه في شأن رئيس الحزب هي في حقيقتها نوع من المسئولية بطريق القياس فقد ألحق المشرع مسئولية رئيس الحزب بمسئولية رئيس التحرير وربطها بها وجعلها من جنسها وأقامها من نسيجها وأضافها إليها لتتبعها ثبوتا ونفيا وليحيلها إلي مسئولية مفترضة في كل مكوناتها وعناصرها فلا تقوم الجريمة بها بناء علي أفعال محددة فصلها المشرع ناهيا رئيس الحزب عن إتيانها بما لا غموض فيه. وأن رئيس الحزب صار - في نطاق مسئوليته الجنائية الشخصية - تابعا لغيره في أمر يرتبط بحريته الشخصية التي لا يجوز تقييدها بأفعال ياتيها الأخرون ويكون مصيره معلقا عليها . وآية ذلك أن النص المطعون فيه يقيم المسئولية الجنائية لرئيس الحزب في الحدود التي تنهض بها المسئولية الجنائية الشخصية لرئيس التحرير فإن هو هدمها أفاد رئيس الحزب من سقوطها وإلا تحمل تبعاتها كاملة وهو ما يعتبر تمييزا جائرا بين المتهمين في مجال الحقوق التي يتمتعون بها وفقا للدستور. وأن هذه المسئولية تفترض أن زمام الصحيفة الحزبية بيد رئيس التحرير وأن إخلالاً قد وقع منه فى مجال تقييم ما ينشر بها وهو افتراض لا يستقيم وطبائع الأشياء وتأباه العدالة ([16]).


- 3عدم دستورية افتراض مسئولية مالك المحل عن الجرائم التى ترتكب به:
كانت المادة (58) من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين تنص على أن "يكون صاحب المحل مسئولاً مع مديره أو القائم على إدارته عن كل ما يقع فى المحل من مخالفات لأحكام هذا المرسوم بقانون ويعاقب بالعقوبات المقررة لها، فإذا أثبت أنه بسبب الغياب أو استحالة المراقبة لم يتمكن من منع وقوع المخالفة اقتصرت العقوبة على الغرامة المبينة فى المواد من (50) إلى (56) من هذا المرسوم بقانون". وكانت المادة (15) من المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بالتسعير الجبرى وتحديد الأرباح تنص على أن "يكون صاحب المحل مسئولاً مع مديره أو القائم على إدارته عن كل ما يقع فى المحل من مخالفات لأحكام هذا المرسوم بقانون ويعاقب بالعقوبات المقررة لها. فإذا ثبت أنه بسبب الغياب أو إستحالة المراقبة لم يتمكن من منع وقوع المخالفة اقتصرت العقوبة على الغرامة المبينة فى المادتين (9)، (13)".
وقد حاول جانب من الفقه تأسيس النصوص سالفة الذكر على المسئولية الناجمة عن امتناع أحد الأشخاص الذين يكلفهم القانون بواجب مراقبة سلوك آخر عن القيام بهذا الواجب مما يؤدى إلى وقوع الجريمة ، وأنها بذلك تعد جريمة مستقلة عن جريمة التابع([17]) ، ويستوى فى ذلك أن يكون هذا الامتناع عمدياً أم بطريق الإهمال([18]).
وكنا قد ذهبنا فى دراسة سابقة([19]) إلى أن هذا الاتجاه فى الفقه وإن حاول أن يؤسس المسئولية على الإخلال بواجب المراقبة ، إلا أن النصوص سالفة الذكر –مع ذلك- لا تساعده على هذا التفسير : ذلك أن هذه النصوص تقرر مسئولية صاحب العمل حتى ولو أثبت أنه لم يهمل فى واجب الإشراف أو المراقبة وأنه قام به كاملاً ؛ بل أن هذه النصوص أوجبت الحكم بالغرامة على الرغم من ثبوت استحالة المراقبة ، وهو ما يعنى أن التجريم فى هذه الحالة لم يتناول فعلاً محدداً ، مما يجعل هذه النصوص فى تقديرنا غير دستورية. وقد أخذت المحكمة الدستوريةالعليا بهذه الوجهة فقضت بعدم دستورية النصين سالفى الذكر تأسيساً على أن الشارع عاقب صاحب المحل بعقوبة الغرامة رغم ثبوت إنه بسبب غيابه أو استحالة مراقبته لم يتمكن من منع وقوع المخالفة، مفترضاً بذلك علمه بوقوع المخالفة ومسئوليته عنها لمجرد كونه مالكاً للمحل والترخيص صادر باسمه، ومن ثم فقد أقام الشارع قرينة تحكمية غير مرتكزة على أسس موضوعية، ذلك أن الواقعة البديلة التى اختارها لا ترشح فى الأعم الأغلب من الأحوال لاعتبار واقعة العلم بالمخالفة ثابتة بحكم القانون ولا تربطها بالتالى علاقة منطقية بها، بل أن الثابت – وفقاً للنص – هو الاستحالة، ومن ثم فإن عمل المشرع هذا يُعد جزاءً جنائياًَ حدد اعتسافاً عن مخالفة لتكليف بمستحيل ([20]).
- هل تقر المحكمة الدستورية العليا مبدأ المسئولية المادية؟:
لم تقض المحكمة الدستورية العليا فى أى من أحكامها بدستورية نص يقرر قيام المسئولية الجنائية الموضوعية ، أى المسئولية الجنائية التى تقوم على افتراض الخطأ ، وإنما اتجهت المحكمة إلى عدم دستورية النصوص التى تقيم المسئولية الافتراضية عن فعل الغير. ولكن المحكمة سطرت فى أسباب بعض أحكامها التى قضت فيها بعدم دستورية هذه النصوص ما قد يدل على أنها لا تجد فى هذا النوعمن المسئولية المادية تعارضاً مع الدستور. فقد قالت "إن الأصل فى الجرائم أنها تعكس تكوينا مركباً ... ليكون القصد الجنائى ركناً معنوياً فى الجريمة مكملا لركنها المادى ... وهذا الأصل ـ وإن ظل محوراً للتجريم إلا أن المشرع عمد أحياناً - من خلال بعض اللوائح ـ إلى تقرير جرائم عن أفعال لا يتصل بها قصد جنائى باعتبار أن الاثم ليس كامناً فيها ولا تدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان ولا يختل بها قدر مرتكبها أو اعتباره ؛ وإنما ضبطها المشرع تحديداً لمجراها ، وحدا من مخاطرها وأخرجها بذلك عن مشروعيتها وهى الأصل ـ وجعل عقوبتها متوازية مع طبيعتها فلا يكون أمرها غلوا من خلال تغليظها بل هيناً فى الأعم" . وقد تتبعت المحكمة ظهور اتجاه التجريم المستند إلى المسئولية المادية فقالت " قد بدا هذا الاتجاه متصاعدا إثر الثورة الصناعية التى تزايد معها عدد العمال المعرضين لمخاطر أدواتها وآلاتها ومصادر الطاقة التى تحركها. واقترن ذلك بتعدد وسائل النقل وتباين قوتها وبتكدس المدن وازدحام أحيائها وبغلبة نواحى الاخلال بالصحة العامة وبوجه خاص من خلال الاتصال بالمواد الغذائية سواء عند إنتاجها أو توزيعها وتداولها أو بمراعاة نوعيتها وكان لازماً بالتالى ـ ولمواجهة تلك المخاطر ـ أن يفرض المشرع على المسئولين عن إدارة الصناعة أو التجارة وغيرهم ، قيوداً كثيرة غايتها أن ينتهج المخاطبون بها سلوكاً قويماً موحداً ببذل العناية التى يتوقعها المشرع من أوساطهم ، ليكون النكول عنها وبغض النظر عن نواياهم ـ دالاً على تراخى يقظتهم ومستوجباً عقابهم . غير أن تقرير هذا النوع من الجرائم فى ذلك المجال ظل مرتبطا بطبيعتها ونوعيتها ومنحصراً فى الحدود الضيقة التى تقوم فيها علاقة مسئولية بين من يرتكبها وخطر عام لتكون أوثق اتصالاً برخاء المواطنين وصحتهم وسلامتهم فى مجموعهم وبإهمال من قارفها لنوع الرعاية التى تطلبها المشرع منه كلما باشر نشاطا معيناً وكذلك إذا أعرض عن القيام بعمل ألقاه عليه باعتباره واجباً وبمراعاة أن ما توخاه المشرع من إنشائها ، هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها"([21]).
وأضافت المحكمة فى حكم آخر مقررة ذات المبدأ أنه "لا يجوز بالتالى أن يكون إيقاع العقوبة المقررة لها معلقاً على النوايا المقصودة من الفعل ولا على تبصر النتيجة الضارة التى أحدثها ذلك أن الخوض فى هذين الأمرين يعطل أغراض التجريم ولأن المتهم ـ ولو لم يكن قد اراد الفعل كان بإستطاعته أن يتوقاه لو بذل جهداً معقولاً وفقاً للمقاييس الموضوعية عما يكون متوقعاً من الشخص المعتاد وغدا منطقياً بالتالى أن يتحمل الأضرار التى أنتجها ، وأن يكون مسئولاً عنها حتى ما وقع منها بصفة عرضية أو مجاوزاً تقديره ولازم ما تقدم أن هذا النوع من الجرائم ـ وتلك هى خصائصها ـ يعد استثناء من الأصل فى جرائم القانون العام التى لا تكتمل مقوماتها الا باعتبار أن القصد الجنائى ركن فيها . ذلك أن هذه الجرائم لها من الخصائص ما يشين مرتكبها ويتعين أن يكون قوامها تدخلاً إيجابياً مقترناً بالارادة الواعية التى تعطى العمل دلالته الإجرامية وبها يكون العدوان فى الأعم واقعاً على حقوق الافراد أو حرياتهم أو ممتلكاتهم أو حياتهم أو آدابهم"([22]).
- تقدير وجهة المحكمة الدستورية العليا فى تقرير المسئولية المادية:
فى تقديرنا أن ما سطرته المحكمة الدستورية العليا فى بعض أحكامها من استطراد قررت فيه جواز أن يكون التجريم مجرداً من ركن معنوى هى وجهة محل نظر وتخالف أصول التجريم ، فضلاً عن مخالفتها لأحكام الدستور وللمبادئ التى أرستها المحكمة ذاتها فى المسئولية.
فمن ناحية فإن المحكمة ربطت المسئولية المادية بالتجريم اللائحى ، وهو ربط لا محل له ، لأن نظرية التجريم من حيث طبيعة الركن المادى أو المعنوى تسرى على كافة نصوص التجريم ، أياً كان مصدر هذا التجريم.
ومن ناحية ثانية فإن المحكمة استندت لتبرير وجود هذا النوع من المسئولية إلى أنها تتقرر فى الجرائم التى "لا تدل على ميل إلى الشر أو العدوان ولا تختل بها قدر مرتكبها" وهذا التبرير فى تقديرنا محل نظر ، ففكرة التجريم تستند إلى مساس الفعل المجرم بحق أو مصلحة رأى الشارع جدارتها بالحماية ، ولا تستند إلى الميل إلى الشر والعدوان فى ذاته ، وإذا أخذنا بوجهة المحكمة فى ذلك ، فإن الكثير من الجرائم قد لا تكشف عن وجود مثل هذا الشر والعدوان ، ورغم ذلك ، فهى تتطلب توافر الركن المعنوى سواء اتخذ صورة القصد أم الخطأ. والكثير من هذه الجرائم لا يبدو أنها تنتقص إلى حد كبير من قدر مرتكبها ، دون أن يؤثر ذلك فى وجوب توافر الصلة النفسية بها. والمحكمة بذلك قد خالفت منهجها ، فالنصوص التى كانت تأخذ بالمسئولية المفترضة والتى قضت بعدم دستوريتها تتعلق بجرائم لا تنطوى على ميل للشر أو تتضمن الإقلال من قدر مرتكبها ، وعلى الرغم من ذلك قضت بعدم دستورية هذه النصوص.
ويؤخذ على ما أوردته المحكمة أنها ربطت المسئولية المادية بالجرائم التى تنال من رخاء وصحة وسلامة المواطنين ، وهى عبارات لا يمكن أن تقيم معياراً يمكن بمقتضاه الوقوف على الحدود التى يجوز تقرير هذه المسئولية الاستثنائية فيها ؛ بل إنه ليس من قبيل التجاوز القول بأن أغلب نصوص التجريم تتصل بشكل أو بآخر برخاء وصحة وسلامة الفرد فى المجتمع.
ويؤخذ على منهج المحكمة كذلك أنها أقرت نوعاً استثنائياً من المسئولية يمثل شذوذاً فى نظرية التجريم ، ويخالف المبادئ التى حرصت المحكمة على إرسائها ، إذ أن قوام هذه المسئولية أن يكون الشخص مسئولاً عن مجرد ارتكاب فعل ، دون أن يتوافر لديه الإثم الذى يربط بينه وبين هذا الفعل ، وهو ما يهدر اعتبارات العدالة والأسس التى يقوم عليها القانون الجنائى.
وقد أدى منهج المحكمة سالف الذكر إلى قولها صراحة أن من شأن تطلب الركن المعنوى فى هذا النوع من الجرائم أن يعطل أغراض التجريم ، وأن سند مسئوليته عن الفعل الضار الذى ارتكبه هو أنه كان باستطاعته توقى ارتكابه. وما قالته المحكمة فى ذلك يمكن أن يقبل فى تقرير المسئولية المدنية ، أما المسئولية الجنائية فهى تنهض على حقائق ولا تركن إلى افتراضات. ومن ناحية ثانية فإن أغراض التجريم تتطلب أيضاً أن تكون إرادة الجانى آثمة ، لأنه يتنافى مع هذه الأغراض أن يؤخذ المرء لمجرد ارتكابه فعلاً مادياً تجرد من الإثم ، لأن هذا الإثم هو محل لوم القانون.
ويؤخذ على وجهة المحكمة فى تقديرنا أنها خلطت بين تطلب الركن المعنوى وبين إثباته: فالتخفف فى إثبات الركن المعنوى فى الجرائم التى أشارت إليها المحكمة لا يعنى أن الركن المعنوى فيها غير متوافر ؛ بل يعنى أن الفعل المادى الذى ارتكبه الجانى فيه ما يدل على توافر العناصر المعنوية ؛ غير أنه يجوز له أن يثبت انتفاء هذه العناصر لديه.
ويؤخذ على وجهة المحكمة كذلك أنها خالفت اتجاه القضاء الجنائى المستقر على أنه لا جريمة بغير ركن معنوى ، سواء أكانت صورة هذا الركن هى العمد أم الخطأ.
ثالثاً: ضوابط تقرير التضامن فى المسئولية الجنائية
- 1دستورية تقرير التضامن فى المسئولية الجنائية عند العلم بالغرض الإجرامى:
يثور التساؤل عن مدى دستورية النصوص التى تقرر مسئولية الفاعلين والشركاء عن الجرائم التى ترتكب بمناسبة مساهمتهم ، وقد عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا بمناسبة الدفع بعدم دستورية النص الذى يجرم التجمهر والذى ينص على أنه "إذا وقعت جريمة بقصد تنفيذ الغرض المقصود من التجمهر فجميع الأشخاص الذين يتألف منهم التجمهر وقت إرتكاب هذه الجريمة يتحملون مسئوليتها جنائياً بصفتهم شركاء إذا ثبت علمهم بالغرض المذكور"([23]). وكان وجه الطعن أن بعض المساهمين فى هذا التجمهر لم يعلم بقصد غيره من المتجمهرين فى ارتكاب جريمة أخرى ، كما أن إرادته لم تتجه إليها ، وأن هذا الافتراض يخالف أصول التجريم والعقاب وقرينة البراءة. غير أن المحكمة الدستورية العليا رفضت هذا الطعن قائلة "بأن المادتين الثانية و الثالثة من القانون رقم 10 لسنة 1914 فى شأن التجمهر حددتا شروط قيام التجمهر قانوناً فى أن يكون مؤلفاً من خمسة أشخاص على الأقل ، و أن يكون الغرض منه ارتكاب جريمة أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح أو التأثير على السلطات فى أعمالها أو حرمان شخص من حرية العمل باستعمال القوة أو التهديد بإستعمالها . ومناط العقاب على التجمهر وشرط تضامن المتجمهرين فى المسئولية عن الجرائم التى تقع تنفيذاً للغرض منه ، هو ثبوت علمهم بهذا الغرض ، و أن تكون نية الإعتداء قد جمعتهم و ظلت تصاحبهم حتى نفذوا غرضهم المذكور ، و أن تكون الجرائم التى إرتكبت قد وقعت نتيجة نشاط إجرامى من طبيعة واحدة ولم تكن جرائم إستقل بها أحد المتجمهرين لحسابه دون أن يؤدى إليها السير العادى للأمور ، و قد وقعت جميعها حال التجمهر. وبذلك يكون المشرع قد جعل من توافر أركان جريمة التجمهر على الوجه المعرفة به قانوناً، أمراً تتحقق به صورة المساهمة فى الجرائم التى يرتكبها أحد المتجمهرين جاعلاً معيار المسئولية و تحمل العقوبة هو العلم بالغرض من التجمهر ، واتجاه الإرادة إلى تحقيق هذا الغرض ، وكل ذلك باعتبار أن الأصل فى الشريك أنه شريك فى الجريمة و ليس شريكاً مع فاعلها ، يستمد صفته هذه من فعل الاشتراك ذاته المؤثم قانوناً ، والنصوص المطعون عليها قد أنزلت العقوبة على مرتكب الفعل المؤثم و هو فعل المساهمة فى جريمة جنائية و ليس غيره ، وما دامت أركان الجريمة قد توافرت فى حق أى شخص فهو مرتكب لها ، ومن ثم فإن المشرع لم يخرج عن القواعد العامة فى التجريم و العقاب بل التزم بمبدأ شخصية العقوبة الذى تبدو أهم سماته فى ألا يؤخذ بجريرة الجريمة إلا جناتها([24]).
- 2الامتناع عن تصحيح أو إزالة أعمال البناء المخالفة:
يجرم الشارع إقامة أعمال البناء بغير ترخيص ، كما ينص على اعتبار الامتناع عن إزالتها أو تصحيحها فعلاً مجرماً ، وقد فرض الشارع غرامة يومية تبدأ من تاريخ الامتناع عن تنفيذ القرار أو الحكم النهائى الصادر بالإزالة أو التصحيح أو الاستكمال ، كما رتب الشارع تقرير مسئولية الخلف العام أو الخاص عن تنفيذ ما سلف تبدأ من تاريخ انتقال الملكية (المادة 24 من من قانون توجيه وتنظيم أعمال البناء رقم 106 لسنة 1976) ؛ غير أن الشارع عدل فى قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 بدء سريان هذه المدة لتكون من تاريخ الإعلان بالحكم أو بالقرار([25]) . وقد طعن فى ظل القانون السابق فى تجريم الامتناع عن إزالة أو تصحيح الأعمال المخالفة بعدم دستوريته وكان من بين أوجه الطعن أن حكم هذه المادة يمتد فى حق الخلف العام والخاص وهما غير مسئولين عن الجريمة. غير أن المحكمة الدستورية العليا قضت بأن جريمة إحداث أعمال معيبة تستقل بأركانها عن جريمة الامتناع عن إزالتها أو تصحيحها. فبينما تستنفذ الجريمة الأولى موضوعها بعد تدخل الجانى إيجابياً ليقيم هذه الأعمال ، فإن ثانيتهما تفترض أن يكون الامتناع عن إزالتها أو تصحيحها -بعد إحداثها-نشاطاً سلبياً قصد به الجانى أن يبقيها على حالها دون تغيير ، وأن استقلال هاتين الجريمتين عن بعضهما البعض مؤداه أن لكل منهما مقوماتها ، ولا يعتبر الفصل فى أيتهما -بالتالى-قضاء فى ثانيتهما([26]). ووجهة المحكمة فى القضاء بدستورية هذا التجريم يستند إلى المسئولية الجنائية المباشرة للخلف العام ، وليس لمسئوليته عن فعل مورثه.
المبحث الثانى
الضوابط الدستورية للركن المعنوى
- تمهيد: نتناول فيما يلى الضوابط التى أرستها المحكمة الدستورية فى النص على الركن المعنوى ، وأهمها عدم جواز افتراض العلم بالوقائع التى يقوم عليها القصد ووجوب استطاعة علم الجانى بعناصر الفعل المادى.
أولا: عدم جواز افتراض علم الجانى بالوقائع: القاعدة هى أنه يجب انصراف علم الجانى إلى كافة الوقائع والعناصر التى تقوم عليها الجريمة ، وأنه إذا ثبت غلطه أو جهله بها ، كان ذلك مؤدياً إلى انتفاء القصد الجنائى. غير أن الشارع قد افترض فى بعض الأحيان توافر علم الجانى بوقائع معينة. وعلة هذه القاعدة أن عدم انصراف علم الجانى وإرادته للماديات يفقده السيطرة على هذه الماديات ، ويجردها من الصلة النفسية التى يجب أن تتوافر بينها وبين الجانى ، كما أنها تجعله مسئولاً عن أفعال لم يحط بها علماً ولم تتجه إليها إرادته. وتطبيق هذه القاعدة يوجب على المحكمة أن تتحقق بنفسها من توافر علم المتهم فى كل واقعة تقوم عليها الجريمة وأن يكون هذا العلم يقيناً لا ظنياً أو افتراضياً. وإذا كان ذلك التحقق من واجبات المحكمة ، فإن تدخل الشارع بالنص على قرائن يفترض بها هذا العلم يعد تدخلاً منه فى اختصاص السلطة القضائية وغلاً ليد المحكمة عن القيام بمهمتها الأصلية فى مجال التحقق من قيام أركان الجريمة التى عينها المشرع إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية. ومن جهة أخرى فإن قاعدة عدم جواز افتراض العلم تجد سندها كذلك من تطبيق أصل إن افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه ، إذ يقترن ذلك بتخويله الحق فى الدفاع ومواجهة الأدلة التى قدمتها سلطة الاتهام إثباتاً للجريمة ، والحق فى دحضها بأدلة النفى التى يقدمها ، ومن شأن افتراض العلم أن يخل بأصول الإثبات الجنائى وهو ما يهدر قاعدة المحاكمة المنصفة ، ويتضمن كذلك إخلالاً بحق الدفاع ويناقض افتراض البراءة([27]). وتتصل قاعدة عدم افتراض العلم كذلك بما يجب أن تكون عليه النصوص العقابية من وضوح ويقين ، وإلا أدى ذلك إلى المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم ([28])
- قاعدة عدم افتراض العلم فى قضاء المحكمة الدستورية العليا:
استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على إن تحديد الفعل المادى المجرم لا يلجأ فيه إلى الافتراضات ، فلا يصح الاستدلال على وقوعه من فعل مادى آخر لا يقطع بوقوعه.
- 1افتراض العلم بالتهريب من مجرد عدم تقديم المستندات الدالة على سداد الضريبة الجمركية: كانت الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 المضافة بالقانون رقم 75 لسنة 1980 فيما تضمنته من إقامة قرينة قانونية افترضت بها العلم بالتهريب فى حق الحائز للبضائع والسلع الأجنبية بقصد الاتجار إذا لم يقدم المستندات الدالة على سداد الضرائب الجمركية المقررة عليها. وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا النص تأسيساً على أن الشارع قد أحل واقعة عدم تقديم الحائز المذكور لتلك المستندات محل واقعة علمه بتهريب البضائع التى يحوزها بقصد الاتجار فيها. وأن النيابة العامة يجب عليها إثبات واقعة العلم بالتهريب فى إطار التزامها الأصيل بإقامة الأدلة المؤيدة لقيام كل ركن يتصل ببنيان الجريمة ، ويعتبر من عناصرها ، بما فى ذلك القصد الجنائى العام ممثلاً فى إرادة الفعل مع العلم بالوقائع التى تعطيه دلالته الإجرامية. وقد استندت المحكمة كذلك إلى أن القرينة القانونية التى أقامها الشارع لا تعتبر من القرائن القاطعة ، إذ الأصل فى القرائن القانونية بوجه عام هو جواز إثبات عكسها([29]).
- 2افتراض العلم بالتجريف من مجرد حيازة الأتربة المتحصلة منه:
كانت الفقرة الثالثة من المادة 154 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 تنص على أنه: ويعتبر مخالفاً فى تطبيق هذا الحكم كل من يملك أو يحوز أو يشترى أو يبيع أتربة متخلفة عن تجريف الأرضى الزراعية أو ينزل عنها بأية صفة أو يتدخل بصفته وسيطاً فى شىء من ذلك ويستعملها فى أى غرض من الأغراض إلا إذا أثبت أن التجريف كان صادراً طبقاً لأحكام المادة 150 من هذا القانون والقرارات التى تصدر تنفيذاً لأحكامه". وقد طعن على هذا النص بعدم دستوريته لمخالفته أصول التجريم ، فقضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا النص تأسيساً على أن "المشرع افترض علم المساهمين فى التجريف بالوقائع التى أثمها، وأنهم أحاطوا بدلالتها الإجرامية، واتجاه إرادتهم - فوق هذا - إلى العدوان على حق يحميه القانون. وهو افتراض اعتبره المشرع قائما بالنسبة إلى المخاطبين بالفقرة الثالثة جميعهم، وفى كل أحوالهم، وأيا كان القصد الجنائى لأيهم، وهو ما يعنى عقابهم ولو كانوا لا يعلمون حقا بأن الأتربة التى اتصلوا بها - وفقا لحكم هذه الفقرة - ناجمة عن أرض زراعية جرى تجريفها لغير الأغراض التى تتعلق بتحسينها وصونها، معفيا النيابة العامة بذلك من واجبها فى إثبات هذا العلم، ناقلا عبء نفيه إلى المتهم مناقضا بذلك القواعد التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة، وأن النص المطعون فيه افترض توافر القصد الجنائى فى شأن الحائز لأتربة أرض زراعية متخلفة عن تجريفها ، حال أن هذا القصد يعتبر أحد أركان هذه الجريمة ، التى تلتزم النيابة العامة بإثباتها فى كل مكوناتها ؛ وكان هذا الافتراض يناقض أصل البراءة، ويجرده من محتواه عملا، وينقل إلى المتهم عبء نفيه على خلاف الأصل، إخلالا بالحرية الشخصية، وبضمانة الدفاع التى لايجوز فى غيبتها تحقيق الواقعة محل الاتهام الجنائى أو إدانة المتهم عنها" ([30]).
- 3افتراض العلم بعدم صلاحية اللحوم المذبوحة خارج الأماكن المقررة:
كانت الفقرة الثانية من المادة 25 من قرار وزير الزراعة رقم 517 لسنه 1986 ، تنص على أن تعتبر أجزاء الذبائح غير المختومة بالخاتم الرسمى ، والمعروضة للبيع، غير صالحة لاستهلاكها آدميا. فقضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا النص على سند من القول أن ما نص عليه الشارع يكون منسحبا إلى أمرين، أولهما: أن اللحوم المعروضة للبيع تعتبر فاسدة لمجرد عدم ختمها بالخاتم الرسمي لأحد المجازر العامة ، وثانيهما هى إن عارضها يعلم بفسادها، بما مؤداه أن القرينة القانونية التي تضمنها النص المطعون فيه، لا تقوم على مجرد افتراض القصد الجنائي، بل تجاوز ذلك إلى افتراض مادية الأفعال التي تتكون الجريمة منها الجريمة محل الاتهام من الجرائم العمدية، التي يتعين أن يكون الدليل على توافر عناصرها جميعها يقينيا لا ظنيا، أو افتراضيا ([31]).
- 4افتراض العلم بالغش: كانت المادة الثانية من القانون رقم 48 لسنة 1941 بقمع التدليس والغش - المشار إليه - كانت تنص - قبل تعديلها بالقانون رقم 281 لسنة 1994 - علي أن: "يعاقب بالحبس .. وبغرامة لا تقل عن ....: 1) من غش أو شرع في أن يغش شيئاً من أغذية الإنسان ...، مع علمه بذلك. ويفترض العلم بالغش أو الفساد إذا كان المخالف من المشتغلين بالتجارة، أو من الباعة الجائلين، ما لم يثبت حسن نيته، ومصدر الأشياء موضوع الجريمة". وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا النص تأسيساً على أن الشارع قد أحل قرينة توافر صفة معينه فى المتهم، محل واقعة علمه بغش أو فساد ما يعرضه من أغذية، منشئاً بذلك قرينة قانونية يكون ثبوت الواقعة البديلة بموجبها، دليلا على ثبوت واقعة العلم بغش أو فساد السلعة، والتي كان ينبغي أن تتولى النيابة العامة بنفسها مسئولية إثباتها فى إطار التزامها الأصيل بإقامة الأدلة المؤيدة لإسناد الجريمة بكامل أركانها إلى المتهم، وبوجه خاص " القصد الجنائى العام " ممثلا فى إرادة إتيان الفعل، مع العلم بالوقائع التي تعطيه دلالته الإجرامية([32]).
- ضوابط القرينة القانونية الدالة على العلم:
قد يقيم الشارع فى بعض الأحيان قرينة قانونية على توافر العلم لدى الجانى بواقعة أو صفة معينة ، وفى هذه الحالة يقع عبء نفى هذه القرينة على عاتق المتهم. غير أن النص على الوقائع التى تشكل هذه القرائن ليس مطقاً بغير قيد ؛ وإنما يلتزم الشارع فى اختياره القرينة ونصه عليها ضوابط معينة حتى يفى نص التجريم بالقواعد الأصولية التى تجعل علم الجانى محيطاً بالوقائع الضرورية التى يقوم عليها الركن المادى فى الجريمة ، وفى الوقت ذاته يسمح للجانى بإثبات عكس هذه القرينة ، ويجب ألا تكون هذه القرينة تحكمية ، وضابط ذلك أن يكون من شأن هذه القرينة أن تؤدى عقلاً إلى القول بتوافر هذا العلم. وقد اعتبرت المحكمة الدستورية العليا أن القرينة تكون تحكمية ، إذا كانت قاطعة لا يسمح للمتهم إثبات عكسها ، أو كانت الواقعة التى تفترضها لا تؤدى عقلاً للقول بتوافر العلم. فقد قضت بأن "الأصل فى القرائن القانونية قاطعة كانت أو غير قاطعة – هى أنها من عمل المشرع وهو لا يقيمها تحكماً أو إملاء ، وإنما يجب أن تصاغ القرينة وأن يتحدد مضمونها على ضوء ما يقع غالباً فى الحياة العملية"([33]). ومن القرائن التحكمية التى قضت المحكمة بعدم دستورية النصوص التى تقررها: افتراض علم الحائز بحقيقة أن البضائع الأجنبية التى يحوزها للاتجار فيها مهربة إذ اعتبرت المحكمة أن القرينة القانونية التى تضمنها النص التشريعى المطعون عليه لا تستوفى شروط القرينة الدالة على العلم ، إذ أنها تتعلق ببضائع أجنبية يجرى التعامل فيها بعد خروجها من الدائرة الجمركية ، وهو تعامل لا ينحصر فيمن قام باستيرادها ابتداء ، وإنما تتداولها أيد عديدة شراءً وبيعاً إلى أن تصل إلى حائزها الأخير ، وفى كل ذلك يتم التعامل فيها بافتراض سبق الوفاء بالضريبة الجمركية المستحقة عنها ترتيباً على تجاوزها الدائرة الجمركية التى ترصد فى محيطها البضائع الواردة وتقدر ضرائبها وتتم إجراءاتها باعتبار أن ذلك هو الأصل فيها وأن تهريبها لا يكون إلا بدليل تقدمه الإدارة الجمركية ذاتها([34]). ومن الأمثلة كذلك ما سبق الإشارة إليه من قضاء المحكمة بعدم دستورية القرينة التى تفترض فساد الذبائح من مجرد عدم ذبحها فى الأماكن المقررة ، ومن عدم دستورية اعتبار الحائز للأتربة قرينة على علمه بالتجريف.
ثانياً: افتراض إحاطة علم الجانى بالأفعال المادية خلافاً للواقع يجعل النص غير دستورى:
القاعدة العامة هى وجوب انصراف علم الجانى إلى كل واقعة يقوم عليها بنيان الجريمة ، فهو علم بأركان الجريمة وعناصرها. ويدق الأمر فى جرائم الامتناع سواء العمدية أو غير العمدية فى أثر اتساع الواجب الملقى على المتهم ، إذ يترتب على هذا الاتساع وجوب أن يحيط علمه وإرادته بكافة العناصر المادية التى ينصرف إليها هذا الواجب ، وهو ما يتعذر على الجانى من الناحية الفعلية ، فما أثر ذلك على دستورية النص؟.
عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا بمناسبة الطعن فى المادة 195 من قانون العقوبات سالفة الذكر والتى كان الشارع ينص فيها على معاقبة رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذى حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير ، بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التى ترتكب بواسطة صحيفته. والذى يعنينا هنا ما سطرته المحكمة كسبب للقضاء بعدم دستورية هذا النص ، إذا أسست حكمها على أنه "لا يتصور فى جريدة تتعدد صفحاتها وتتزاحم مقالاتها ، وتتعدد مقاصدها ان يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً نافذاً إلى محتوياتها ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها ، ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنه فلا تتحد تطبيقاتها. وأن رئيس التحرير وقد أذن بالنشر لا يكون قد أتى عملاً مكوناً لجريمة يكون به فاعلاً مع غيره ؛ ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً للجريمة إلا من خلال أعمال باشرها تتصل بها ، وتعتبر تنفيذاً لها" ([35]).
ومفاد هذا القضاء أنه يشترط لتجريم الإخلال بواجب الإشراف والرقابة أن يكون بمقدور المكلف بهذا الواجب القيام به ، أما اتساع نطاق هذا الواجب وتراميه على نحو يؤدى إلى تعذر القيام به فلا يصلح أساساً لتقرير المسئولية الجنائية عند الإخلال به. وفى تقديرنا أن المحكمة الدستورية العليا لم تستبعد بقضائها سالف الذكر إمكان تجريم فعل رئيس التحرير ولكن النص على التجريم فى هذه الحالة يجب أن يكون بمراعاة الضوابط التى أقرتها المحكمة فيجب أن يكون الواجب الذى ينسب إلى المسئول عن النشر الإخلال به محدداً ، وأن يكون بمقدوره الإحاطة بالواجب المكلف به والوقوف على ما ينشر فى القسم الذى يرأسه. وسوف نرى فيما بعد تقدير خطة الشارع فى إعادة تجريم فعل رئيس التحرير بالقانون رقم 147 لسنة 2006 بتعديل قانون العقوبات.
المبحث الثالث
تطبيق الضوابط على نصوص سارية
- تمهيد: سبق أن تناولنا الضوابط التى استخلصناها من أحكام المحكمة الدستورية العليا ، والتى تضع قيداً على الشارع عند نصه على المسئولية الجنائية أو افتراضه العلم بوقائع معينة. وفيما يلى نحاول تطبيق هذه الضوابط على بعض نصوص التجريم التى أثارت جدلاً ، وصولاً لما إذا كانت هذه النصوص تلتقى وأحكام الدستور ؛ أم أنها تجافيه؟. ويلاحظ أن هذا التطبيق هو عمل فقهى بحت ، ولذلك فهو يحتمل الخطأ والصواب والرد عليه. وفيما يلى نبين أهم هذه النصوص.
أولاً- مسئولية الشريك عن النتيجة المحتملة:
نصت المادة 43 من قانون العقوبات على أن" من اشترك فى جريمة فعليه عقوبتها ، ولو كانت غير التى تعمد ارتكابها متى كانت الجريمة التى وقعت نتيجة محتملة للتحريض أو الاتفاق أو المساعدة التى حصلت". وتعتبر النتيجة محتملة لأفعال الاشتراك إذا كانت هذه الأفعال تنطوى على خطر إحداث النتيجة وفقاً للمجرى العادى للأمور. ومعيار ذلك هو الشخص المعتاد فى مثل الظروف التى يمر بها الشريك ، أى أنه ليس معياراً موضوعياً خالصاً ؛ وإنما هو معيار من تحيط به هذه الظروف([36]). وقد تبنت محكمة النقض هذا الضابط فقضت بأن "الشريك مفروض عليه قانوناً أن يتوقع كافة النتائج التى يحتمل عقلاً وبحكم المجرى العادى للأمور أن تنتج عن الجريمة التى أراد المساهمة فى ارتكابها"([37]) ، وأن سند هذه المسئولية هى "افتراض أن إرادة الجانى لا بد أن تكون قد توجهت نحو الجرم الأصلى ونتائجه الطبيعية"([38]). وتطبيقاً لذلك اعتبرت المحكمة القتل نتيجة محتملة للسرقة والإتلاف واغتصاب الأنثى ، فالشريك الذى اقتصر دوره على مجرد الاتفاق أو المساعدة أو التحريض فى هذه الجرائم يسأل عن القتل لأنه يجب أن يتوقع مقاومة المجنى عليه للفاعل([39])([40]).
وفى تقديرنا أن هذا النص الذى يقرر مسئولية الشريك عن نتيجة لم تتجه إليه إرادته ، هو نص غير دستورى ، لأنه يقيم الركن المعنوى على محض افتراض هو وجوب توقع علم الشريك بالنتائج المحتملة للفعل الذى اشترك فيه وبالتالى مسئوليته عنه. وهذا الافتراض غير صحيح ، فالقصد الجنائى يقوم على علم بالفعل وإرادة تحقيقه ، ولا مجال للافتراض هذا العلم وتحميل الشريك المسئولية عنه.
ومن ناحية أخرى ، فإنه يبدو أن فكرة القصد الاحتمالى التى حاولت محكمة النقض أن تؤسس هذه المسئولية عليها لا تصمد للنقد: فجوهر هذا القصد أن الفاعل قد توقع النتائج المحتملة لفعله وأنه قبل هذه النتائج ؛ غير أنه يتعذر القول بأن الشريك الذى يقتصر دوره على إمداد الفاعل بأداة لفتح باب المسكن على علم بقتل صاحب المسكن وأنه يقبل هذه النتيجة وأنه يعد مسئولاً لذلك. ومثل هذا الافتراض ينال من تأسيس القصد الجنائى على علم يقينى فى نفس الجانى وإرادة إجرامية جازمة لارتكاب الفعل. ومن جهة أخرى ، فإنه إذا كان جوهر الركن المعنوى هو الإرادة الآثمة لدى الجانى ، وهذه الإرادة هى التى تبرر مسئولية الجانى عن جريمته ، فإنه من المشكوك فيه القول بتوافر هذه الإرادة الآثمة لدى الشريك بالنسبة للجريمة المحتملة.
وأخيراً فإن فكرة الاحتمال ، وإن كانت فكرة قانونية لها تطبيقاتها فى فروع القانون المختلفة ، ومن بينها قانون العقوبات والمجال الأوسع لها فى نطاق الجرائم غير العمدية ، ففيها يتوقع الجانى نتيجة فعله أو أن يكون باستطاعته هذا التوقع ، غير أنه لا يقبل بهذه النتيجة ([41]). وهذه الفكرة وإن جاز الأخذ بها فى الجرائم غير العمدية ؛ إلا أنه لا يمكن قبولها فى الجرائم العمدية لسببين: الأول أن الفعل المرتكب فى حالة الشريك هو فعل الغير ، وليس فعل الجانى نفسه ، ومن ثم يكون هذا نوع من تقرير المسئولية عن عمل الغير ، بخلاف الجريمة غير العمدية. والثانى أنه إذا كانت الجريمة غير العمدية والقصد الاحتمالى يشتركان فى توقع النتيجة ؛ إلا أن الجانى فى جرائم الخطأ لا يقبل حدوث النتيجة ، بل هو يرفضها ولا يريد وقوعها ؛ بخلاف القصد الاحتمالى الذى يرحب فيه الجانى بحدوث النتيجة أو لا يعبأ بها. والسؤال هل يتوافر هذا القبول لدى الشريك فى الجريمة المحتملة؟ ، فى الحقيقة فإن النص لا يتطلب ثبوت هذا القبول ، وإنما أقام الشارع افتراضاً قد يجافى الحقيقة بأن هذا الشريك عليه أن يتحمل كل ما يمكن أن يأتيه الفاعل متى كان ذلك محتملاً لفعله ، وهى قرينة تحكمية تستعصى على التبرير. وخطة الشارع تجعل هناك تفويضاً دائماً من الشريك للفاعل بأنه يوافق على كل ما يقوم به إذا كان محتملاً لفعله. بل إن حظ الشريك فى المسئولية الجنائية رهين بما يأتيه الفاعل من جرائم ، ويعنى ذلك أن المسئولية عن النتيجة المحتملة قد أصبحت ترتكن إلى عناصر تحكمية ترجع لشخص الفاعل ومزاجه ورغبته ، دون أن يكون لهذه الجرائم صدى فى نفس الشريك حتى يكون مسئولاً عنها.
ويلاحظ أن ما يعتبر محتملاً أو غير محتمل للجريمة ، هى مسألة قد تختلف فيها الآراء والوجهات ، وهو ما أدى إلى تدخل محكمة النقض فى الحالات التى ثار فيها هذا الخلاف ، والنتيجة التى تستخلص من هذا أنه إذا كان ما يعتبر جريمة محتملة هو أمر غير يقينى يمكن أن تتفاوت فيه الآراء ، وقد لا يمكن معرفته إلا بعد ارتكاب الفعل ، فهل يكون من الملائم رغم ذلك افتراض مسئولية الشريك عن جريمة قد لا يقطع وقت ارتكابها بأنها محتملة للجريمة التى اشترك فيها.
نخلص مما تقدم إلى أن نص المادة 43 من قانون العقوبات الذى يقرر مسئولية الشريك عن النتيجة المحتملة هو نص يتنافى مع أحكام الدستور ومع أصول التجريم ، ويحتاج إلى تقييده تقييداً يكفل أن ينصرف علم الشريك وإرادته إلى النتيجة المحتملة ، لا أن يرتكز هذا القصد على افتراض قد يجافى الواقع ويبعد عن الحقيقة ويسوده التحكم.
ثانياً : الركن المعنوى فى جرائم الإرهاب
أهمية الركن المعنوى فى جرائم الإرهاب: ترجع أهمية الركن المعنوى فى جرائم الإرهاب فى أن هذه الجرائم ت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fadaok.ahlamontada.com
 
الركن المعنوى والدستور
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فضاؤك :: القانون العام و فروعه :: القانون الجنائي-
انتقل الى: